قديم 05-21-2010, 05:08 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه
يوم أصبحت مجنوناً محترفا ً ( بقلمي )

ماذا لو قرّرتَ يوماً ما أن تجنّ ..؟؟؟
ماذا لو استيقظتَ ذات صباح – ككلّ صباح - و مارستَ جميع طقوسك المعتادة من تثاؤب و تمطّط و فرك عيون و توضيب شعر و خلافه , ثم , بعد أن شاهدتَ نشرة الأخبار و أنت تحتسي قهوتكَ الصباحيّة الثقيلة و راقبت صعود الأسهم و هبوطها و تحركات الشركات و اندماجها , و أحصيتَ عدد الجثث مجهولة الهوية المرمية في شوارع بغداد , و تأمّلتَ وجه المذيعة الجميلة التي تنبئكَ و هي تبتسم ابتسامةَ بديعة أن الكارثة البيئيّة الناجمة عن الاحتباس الحراري قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى مما يعني ضمناً أن يوم القيامة قد اقترب , و قبل أن تذهب إلى الحمّام تتابع – واقفاً- أخبار الطقس التي تعلمك أن اليوم مثل الذي سبقه - و مثل آلاف الأيام التي سبقته - حاراً جافاً ليس فيه قطرة ماء تبلل نملة ..
في الطريق إلى الحمام لتكمل بقية الطقوس الضرورية لصباح روتيني تتوقّف فجأة .. تعبث بشعرك الذي ما زال منكوشاً .. تمسح جبهتك الحزينة .. تحملق في نقطة سوداء صغيرة على البلاط المتراصف .. ثم تبتسم هنيهة و تقول لنفسك :
- حسنٌ ... لقد قرّرتُ أن أجنّ ..
هل تصدّقون أنه يمكن لأيٍّ كان أن يتخذ قراراً بملء إرادته أن يجنّ ..؟؟؟
بالطبع أنا لا أقصد بالجنون تلك اللحظة الهوجاء التي فقدتَ فيها أعصابك و طار منك صوابك و تصرّفتَ دون أي شعور بالمسؤولية أو مراعاة للعواقب و قررتَ أن تتوقّف عن التدخين و أن تستبدله بعادة صحيّة أكثر كمضغ اللبان المحلّى الذي جعلك تبدو مراهقاً متسكّعاً لا همّ له إلا متابعة الأغاني الشبابية و البصبصة على السيّدات , و لتكتشف بعد أيّام أنكَ تمسك سيجارتك المشتعلة بين أصابعك و تلوك اللبان في فمك و أنك بحمد الله قد أصبحتَ مدمناً على اللبان و السجائر معاً ..
و لا أقصد أيضاً ذلك التصرّف الغريب المستهجَن يوم ( انطسّيت ) في نافوخك و عمي على بصيرتك و قمتَ هكذا بكل بساطة بدعوة أصدقائكَ على الغداء دون أن تجري قبل ذلك الاستشارات القانونية و الالتماسات المطلوبة في مثل هذه الحالات للسيدة حرمكم مما جعلها ( تتنرفز ) فوق الحدّ الاعتيادي و جعلكَ بنصف هدومك أمام الأصدقاء و ( بلا هدومك ) أمام الأولاد فيما بعد ..
لا .. لا .. أنا لا أقصد ذلك الجنون المؤقّت الذي يعترينا أحياناً حين نحلم مستيقظين أن السماء ستمطر يوماً ما , و الأشجار ستنمو من جديد , و أن الأطفال لن يبكوا بعد اليوم , و سيصبح الناس طيّبين جميعاً , ستنطفئ كلّ الحرائق , و ستبرق المجرّات المتراقصة على أنغام الكون البهيّ , و ستصبح النساء جميلات جداً و سيغدو الرجال رجالا , و سنتوقّف عن انتظار ما لا يأتي و سيأتي ما كنّا ننتظر أخيراً ..
لا .. ليس ذلك الجنون اللذيذ الذي يوحي إليكَ أنّك تلمس وجه حبيبتك حين تسطو عليكَ قسوة العمر المضني و تستولي على أعصابكَ المرهقة تلك الرغبة الخفيّة في الاستسلام و الموت , فتشعر تواً بالسلام و المحبّة و يستيقظ الطفل بداخلك يلعب و يغني و يرسم أشجاراً و سماءً و عصافير ملونة , فتغمض عينيك برهةً لتكتشف أن لحظة واحدةً من الجنون قد تهديك فرح أعمار ..
لا .. ليس ذلك الجنون اللطيف الذي يهديكَ في غفلةٍ من دهركَ الصارم كلمة حب همس بها طيف حنون , أو باقةُ عطر انداحت عبر نافذتك المفتوحة ذات حلم صغير , أو لمحةً صغيرة من ذاكرتك الموغلة في الهجرة حين كانت ضحكتك تزغرد في الفضاء صافية رقراقة ..
لا .. ليس هذا الجنون ..
هو الجنون الحقيقيّ .. الجنون الذي ينفلت فيه العقل من أبعاده الأربعة و يتوه في مساحاتٍ مجهولة لم يكن يدريها ليشتعل في الشموس المحترقة و يغرق في أعمق محيط و يجالس القطط المتشرّدة على الأرصفة القذرة و ينام ملتحفاً جريدةً مهترئة و ينسى شكل النقود و يتشارك في عشائه مع بعض الكلاب الصديقة المقيمة جوار مطعمٍ بنجومٍ كثيرة ...
الجنون القاسي .. الذي يمزّق بعنف و سعار نسيجَ هذا العالَم المنظّم محطّماً رتابة الأشياء بتوحّش مدهش ناثراً فوضاه العارمة في كل الأنحاء ..
الجنون المخيف .. الذي يرقص مع أشباح الليل و جثث الموتى الهلِعة و ينصت مذهولاً لصرخات الأرواح الشقيّة حين تلفظها الأرض و ترفضها السماء فيبكي جذعاً على شواهد القبور الفاغرة أشداقها كثقوب سوداء نهمة بحجم أكوان ..
الجنون المتناقض المفتوح على كلّ الاحتمالات المتمرّد على كلّ ما هو مألوف و معتاد و نمطيّ .. الذي يضحك في المآتم و يندب في الأعراس , و يرقص عارياً في الشوارع حيث لا أحد يهتمّ , يتمدّد أمام السيّارات المتعجّلة و يتسلّق أعمدة النور و إشارات المرور , يمدّ لسانه في الوجوه المغرورة هازئاً بكلّ المتأنّقين , و يتغزّل في الصبايا العابرات دون خجل , و ينام على باب مسجدٍ صغير وقت الضحى ..
الجنون المعمّد بنار الرفض و التحدّي و الشكّ و السؤال الذي لا إجابة عنه , المغروس في عتمة الزوايا التي لم ترها عينان قط , المعذّب بتناقضات هذا العالَم الغامض المضمّخ بالأسرار , المرعوب مع كلّ قطرة دم تسفح على ظهر البريّة , المذهول من حجم الألم الذي يحيط كوكبنا كغلافٍ جويّ عملاق ينمو مع كلّ آهة و كل أنّة و كل نظرة وجع و كل صفعةٍ بربريّة تهبط على خدِ طفلةٍ لم تدرك بعد معنى الألم الحقيقيّ .
الجنون المقدّس الذي يصفعنا حين نخطئ , و يصرخ في وجوهنا حين نتحول إلى ذئابٍ بربطاتِ عنق و أنيابٍ نحاسيّة , و يضربنا بعصاه حين نضع ساقاً على ساق في الأماكن الخاشعة , و ينهرنا بقسوة حين نسيء الأدب في حضرة الله ..
الجنون المتفوّق .. الذي يتعالى على غرورنا و قسوتنا و صراعاتنا التافهة و شهواتنا الدنيئة و أحلامنا المريضة باحثاً وحده عن نورِ هذا العالَمِ المعتم الغامض ..
هذا هو الجنون الذي أعنيه ..
و هذا هو بالضبط الجنون الذي أردته حين قرّرت أن أصبح مجنوناً ..
( أيها العاقلون ..
افتحوا رؤوسكم المغلَقة ..
و الجماجم الموصَدة ...
انفضوا عن أدمغتكم غبار السنون ..
انثروا عليها الشمس و الهواء أياماً سبعة ..
و هلمّوا إلى حفلة الجنون .. ) .
يتبع ..

d,l Hwfpj l[k,khW lpjvth W ( frgld ) l[k,khW gwfdm frgld












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 05:11 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

حين أعلنتُ جنوني على الملأ وقع الأمر على الناس من حولي وقع الصاعقة , و كان ردّ الفعل الأوّل الشقيقه الصغرى أن خبطت على صدرها و صرّحت بأنّه ( هذه المصيبة ) قبل أن تبادر إلى الاتّصال بالمعنيين – أهلي - تستدعيهم ليروا حلاً في هذا الرجل الذي يجنّ على كيفه متى أراد ..
و بعد الاجتماعات المتكرّرة و محاولات الإقناع الحثيثة و الجلسات المكثّفة و ( يا ولد عيب ) و ( يا ولد استحِ على دمك ) و ( العقل زينة يا خوي ) .. بالإضافة إلى الاستشارات الطبيّة العاجلة التي كنت فيها مجنوناً حقيقياً تنتابه نوبات من الضحك العبثي أحياناً و من البكاء المتشنج أحياناً أخرى و من الصمت الذاهل أحايين أسقط في يد الجميع و أعلِنتُ للمرة الأولى مجنوناً رسمياً في الوسط العائلي و الاجتماعي ..
و بين عشية و ضحاها و بشكلٍ لا يصدّق أصبح ( المجنون يزيد ) شهيراً جداً يجري اسمه في جميع الحفلات و المنتديات و المناسبات الاجتماعية , تتهامس به النسوة حين تتداولن آخر أنباء جنوني الطارئ و يصيح به الرجال وهم يتناقشون حول تصرفاتي الغريبة غير المفهومة و أسباب هذا الجنوح الذي أصاب عقلي الهادئ , بينما كان ( السيد يزيد ) العاقلُ المتزّن قبلاً خاملَ الذكر مجهول الشأن لا يعيره أحدٌ التفافةً صغيرة حتّى لو نزف كل دمائه أمام عينيه ..
و لكي يصبح جنوني مكتملاً بعد أن شقلبت ترتيب غرفتي , و عكست مواعيد نومي , و أصبحت أفطر مساءاً و أتغدّى مع انفلاق الصبح , و أضحك حتّى الإغماء لكلّ النكات السمجة التي لم أكن لأبتسم لها , و أشخبط على الجدران لوحات سريالية ملوّنة , و أوقظ الناس في منتصف الليل على إيقاع رقصي الهادر , و أشتم جيراني العرّة بكلّ ما في قواميس الهجاء من مفردات , و أتشفّى بالخادمه و هي تهرول ورائي تنظّف كل الفوضى التي أرتكبها عامداً متعمّداً , بعد ذلك كله بدأت أرسم ( البرستيج ) الضروري لأي مجنون يحترم نفسه على ملامحي , فأرسلت لحيتي تنمو على هواها دون تشذيب و تركت شعري – أو ما تبقّى منه – مبعثراً مشتتاً متلبّداً على الفروة التي حلفت ألاّ تقربها قطرة ماء بعد اليوم .
لكني اكتشفتُ أن الجنون أعقد من ذلك بكثير و أن جميع تلك ( الغرائب ) لم تقرّبني خطوةً واحدة من الجنون الذي أريد .
اكتشفتُ أني ما زلتُ أحزن حينما تموء قطّة الجيران العرجاء ألماً و هي تتشمّم جثَثَ جرائها الصغيرات , و أبكي حين توشوشني فيروز ( ارجعي لي .. راح ترجعي لي ) في الصباحات الممطرة عندما تهرب العصافير المبللة إلى أعشاشها الأليفة , و أرتجف غضباً حين أقارن بين الراقصة ( فيفي ) التي تلفّ الذهب حول سيقانها البديعة و السيّاب الذي ماتَ سلاً و فقراً و قهراً و قنوطاً , و أشعر باليأس يذبحني و أنا أراقب أحلامي الكبيرة تتهاوى أمام عينيّ حلماً إثر حلم , و تخنقني حبال السأم حين أتأمل أيامي الخاصّة جداً تتسرّب من بين أصابعي دون أي معنى أو جدوى يوماً إثر يوم ..
نعم .. ما زال عقلي يفتك بي بكلّ ضراوة , ما زلت أسيرَ كلّ تقاليده الصارمة التي تحسب عليّ أنفاسي و تراقب كلّ نبضةٍ عصبية تائهة في دماغي فتخمدها بقسوة و حزم , ما زال عقلي الجامد العبوس يحجر عليّ أن أنفلت تماماً من أبعادي المعروفة و أهيم مع أشواقي في مسافات الحلم المعابث , ما زال يحجب عنّي وجه حبيبةٍ لم أرَها و حكايةٍ لم أروِها و شواطئ لم أطأها و بحارٍ لم أتسكّع في قيعانها بعد ..
أليس هذا عجيباً بالفعل ..؟؟؟
لماذا لا نستطيع أن ننسى ما نذكر حين نقرّر أن ننسى , و لا نقوى على كره ما نحبّ حين نختار أن نكره , و لا نقدر على تحطيم عقولنا حين نرغب أن نجنّ ..؟؟؟
أليس هذا غريباً ..؟؟؟
لماذا نحن ملتصقين لهذه الدرجة بذاكرتنا و قواعد عقولنا الرصينة و عاداتنا الرتيبة في التفكير و الفعل و التفاعل مع هذا العالَم الصاخب من حولِنا ., لماذا نبقى هادئين جداً و كل أشياء وجودنا و مفرداته تصرخ و تشاغب و تتلاعب بحرية و طلاقة ..؟؟؟
يا ترى .. هل هو الحلم فقط ذلك الذي يهبنا نافذة الخلاص الوحيدة فنفعل كلّ ما نشاء و نصرخ كما نهوى و نحطّم رتابة مشاعرنا و أحاسيسنا و نتخطّى كثافة أجسادنا فنحلّق بين المجرّات و نجوب أصقاع الكون المجهول و نكتب أسماءَنا على الغيم الشفيف و نتناول قهوة الصباح مع زهر الدرّاق و عيون الحبيبة و جوقة من البلابل المغرّدة ..؟؟؟
هل هو الحلم فقط ذلك الذي يستلّ أرواحَنا كلّ ليلة من زمانها و مكانها و يحرّرها من أشراط مادّتنا و قيودها و يمنحها لحظاتٍ فريدةٍ ممتعةٍ من الحريّة المطلَقةِ في أن تجوب أبعاد الوجود الحقيقيّ كلّها فنصبح ( مجانين حقيقيين ) لفترة وجيزة فحسب , ثم نستيقظ فجأة و تجرفنا اليقظة القاسية ببرودتها و واقعيّتها فننسى أن الجنون قد يكون هو المفتاح الحقيقيّ لكل ألغاز العالَم و أسراره التي لا نستطيع أن نفكّ طلاسمها أو نحلّ عقدها المتشابكةِ بشكل مذهل .. ؟؟
هل يكون الجنون هو قمّة الحكمة أحياناً ..؟؟؟
كيف نستطيع أن نحبس أرواحنا في عوالم الحلم فننام مفتوحي الأعين على الدوام ..؟؟
لا أدري .. كلّ ما أدريه أنني رغم كلّ محاولاتي أن أتشبّه بالمجانين , و رغم منظري الذي أصبح أشبه بالشحّاذين و المتسوّلين , و رغم رائحةِ جسدي التي أضحت مقزّزة ينفر منها الأنام و الهوام , و رغم أني أصبحت وجهاً مألوفاً في جميع أقسام الشرطة و اسمي معروفاً بين كلّ الأطّباء و الممرّضين و العاملين في عيادات المناخوليا ..
رغم كلّ ذلك .. لم أستمتع بعد بجنوني .. و لم أقتنع أني مجنون عن حقّ و حقيق .. و كان لا بدّ لي من أنتقل للخطوة التالية في رحلتي الطويلة هذه ..
يتبع ..












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 05:13 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

لا جنون مع السكن .. و لا سكن مع الجنون ..
لا بدّ ممّا لا بدّ منه .. لا بدّ من التشرّد ..

هذا ما تفتّقت به قريحتي أخيراً بعد أن أعيتني الحيل و شارفت على الجنون و أنا أشكو لطوب الأرض هذا العقل اللئيم الذي يأبى أن يجنّ , خاصّة أنه لم يعد هناك فرق ملحوظ بين بيتي الذي هجرَته ( مدامنا العزيزة ) و تركَته لي أبرطع به على كيفي و بين الشارع الذي قرّرتُ أن يكون مكان إقامتي الجديد ..

و هكذا عرفَتْ شوارع بلدتنا و حدائقها العامّة متشرّداً جديداً يضاف إلى قائمة متشرّديها الكثر , و رغم بعض المشاكل التي حدثت في البداية مع الزملاء الذين لم يبتلعوا فكرة أن يبدأ العقلاء بالتصعلك ليزاحمونهم في لقمة عيشهم الصغيرة و يقاسمونهم أماكنهم الوثيرة , إلاّ أن الأمور سارت كما ينبغي أخيراً و ألقيت عصا الترحال في مقعدٍ منزوٍ في إحدى الحدائق المجهولة التي لا يكاد يقربها أحد ..

و الحق يُقال فإني بدأت ألاحظ تغييراً ملحوظاً في عقلي بعد فترةٍ قصيرة من هذا الأسلوب الجديد في الحياة فقد انحصرَت اهتماماته كلّها في كيفيّة تدبّر فطور هذا الصباح من بقايا المطعم القريب , أو في رسم الخطط العسكريّة للتغلّب على ذلك الكلب المزمجر الذي اعتاد على خطف عشائي بعد أن أسحّ عرقاً لجمعه من الأرصفة المهجورة و الساحات الخاوية , أو في مراقبة المدخّنين و ملاحقتهم من مكانٍ لآخر لجمع ما تيسّر من أعقاب السجائر التي قد يتبقّى فيها بعض التبغ اللذيذ أحياناً ..

و رغم بعض الصداقات الجديدة التي عقدتُها مع مجموعة ظريفةٍ من القطط المتشرّدة و الكلاب التي لا تزمجر بعنف كلّما لاح طعامٌ في الأفق , و رغم قبولي المبدئي في مجتمع المتشرّدين و المتصعلكين الذين تقبّلوا على مضض رؤية هذا الضيف الثقيل يشاركهم صدقات العقلاء القليلة التي قد تضمن عشاء أسبوعٍ كامل , و رغم أني أصبحتُ بعرف البعض مجذوباً تلجأ إليّ بعض النسوة اللاتي يفترشنَ الأرضَ أمام مقعدي المكسور يغمغمن بكلماتٍ غامضة غير مفهومة و أنا أحملق فيهنّ صامتاً متسائلاً و قبل أن يذهبنَ يلمسنَ أطراف أسمالي البالية متبركاتٍ بهذا الملاك الذي هبط من السماء و لم يجد شيئاً يعمله في الدنيا إلا أن يصبح متشرّداً ..

رغم كل ذلك .. بقي ثمّة قلق خفيّ يداهمني أني لم أجنّ بعد تماماً , و أني لا أزال أملك موهبة الكلام و حسّ اللمس في أناملي النحيلة , ما زلتُ أصفّق حبوراً كلّما نجحَتْ قطّتي الأثيرة في تسلّق شجرة الصنوبر العتيقة بعد عشرات المحاولات , و ما زالت ذاكرتي تستيقظ كلّ مساءٍ حين أتمدّد في مقعدي مفترشاً رزمةً منتقاة بعناية من الجرائد المهترئة متأملاً نجوم السماء باحثاً عن نجمتي المفضّلة حين كنتُ طفلاً ذات يوم ..
لكني اعتبرت أن الموضوع يحتاج إلى وقتٍ دون ريب , و أن العقل الذي بنيتُه خلال تاريخي كلّه لن أتخلّص منه بين يومٍ و ليلة ..

حتّى كانت ليلة ..

فاجأتني في البداية رائحة الخمر الرخيصة التي عبقت في الجوّ حولي , و ما أن عدّلتُ من استلقاءتي الهنيئة في مقعدي الخشبي متسائلاً عن مصدر هذه الرائحة حتّى وجدته أمامي بقوامه الطويل المترنّح سكراً و نشوة .. و دون استئذان جلس على حافّة المقعد زافراً آهةَ استراحة :
- مساء النعنشة ..

بالطبع فقد اعتدتُ على هذه التحيّات الغريبة بعد عشرتي الطويلة مع النشّالين و المتشرّدين و السكارى الذين يخترعون ألفاظاً لا تضمّها أيّ قواميس .. رددتُ على تحيّته بصوتٍ متأفّف من هذا الضيف الثقيل الذي سيفسد عليّ نومتي العزيزة ..
- مساء الصهللة يا سيدي ..

تجرّع رشفة من زجاجة الخمر التي كان يخفيها في ثنايا معطفه القذر , و قرّبها لي قائلاً :
- تفضّل .. بسم الله .

لا حول و لا قوة إلا بالله .. الرجل يسقيني خمراً و يريدني أن أسمّي بالرحمن ..
- لا .. شكرا ً

- يا أخي اشرب .. هذه معصورة للأكابر و حياة عيونك .. نعمة أتت إليك على قدميها .. لا ترفسها .. حرام عليك ..

- يا سيدي .. ماذا أفعل ..ليس بيدي حيلة .. فليغفر لي الله أني لا أشرب الخمر .. شكراً يا ابن الأكابر ...

حملق بي بدهشة .. و سألني :
- لماذا ..؟؟

- لماذا ماذا ..؟؟

- لماذا لا تشرب ..؟؟

أطرقت متحيّراً في الكيفيّة التي يجب عليّ أن أتعامل مع هذا المأفون الذي طلع لي من حيث لا أدري .. ثم أجبتُه بلا مبالاة :
- لأني لا أريد أن أدخل النار ..

خبط على جبينه بعنف .. و صرخ بصوتٍ مبحوح غاضب :
- ماذا .. ماذا قلت أيها المجنون ..؟؟؟

نظرتُ إليه مدهوشاً من هذا التحوّل الغريب الذي طرأ عليه .. و قبل أن أفتح فمي .. أكمل صراخه :
- هل هناك عاقلٌ في الدنيا يتحدّث أمام رجل سكران حول هذه الأشياء .. روح .. ربّنا ينتقم منّك يا مفتري .. طارت السكرة ..

- بالضبط .. صحيح تماماً .. أنا مجنون ..

تأملّني بتمعّن من أعلى لأسفل و من أسفل لأعلى كأنّه يدرس كائناً غريباً يحطّ على الأرض للمرّة الأولى , ثم أطلق ضحكةً صغيرة و قال مستهزئاً :
- أنتَ غبيّ .. أم تستغبي يا ولد ..؟؟؟

- لا و الله .. صدّقني .. أنا مجنون تماماً .. و هل يمكن أن يكون عقلي في دماغي و أنا أعيش كأنّي رجل غابٍ منقرض بعثت في الحياة فوجدَ نفسه فجأة في القرن الواحد و العشرين ..؟؟

- يبدو أنّك تصدّق نفسَك .. و تريدني أن أصدّقك أيضاً ..؟؟

- و لمَ لا أصدّقها ..؟؟

- لأنّك لستَ مجنوناً ..

- ما شاء الله .. يعني حضرتك تعرفني أكثر منّي .؟؟؟

- لا .. لا أملك هذا الشرف الرفيع .. لكني أعرف يقيناً أنّه لا يوجد مجنونٌ واحد على الأرض يقول لكَ بالفم الملآن : أنا مجنون ...

- لمَ لا .. الجنون فنون كما يقولون ..

- لكنّه جنونٌ في النهاية .. النهاية الحديّة المقابلة للعقل التي ينتفي فيها أي إدراكٍ للذات .. و عندما تدرك ذاتكَ فأنتَ بالضرورة عاقل .. و سيد العقلاء كمان ..

- لا .. ليس بالضرورة .. نحن ندرك ذواتنا بشكلٍ فطريّ غريزي لا دخل للعقل المنطقيّ به ..

- إلاّ هنا .. هل رأيتَ في حياتك مجنوناً يوقّع على وثيقةٍ يوضّح فيها أنّه بكامل قواه العقلية رجلٌ مجنون .. هل يمكن ذلك ..؟؟ هل تلتقي الأضداد في ذات الزمان و المكان يا ابن الحلال ..؟؟

أطرقت مفكّراً . نعم .. هو محقّ .. حسبي الله و نعم الوكيل .. ذهب كلّ تعبي سدى من وراء هذا السكير الفيلسوف الذي أفسد عليّ جنوني .. أجبته بهمسٍ حزين :
- يا خسارة .. بكلمتين اثنتين ضيّعت عليّ كلّ ما تعبتُ من أجله ..

ربّت على كتفي بحزنٍ صادق .. و قال :
- لا تحزن .. خذ لك رشفتين من هذه الزجاجة و أنا كفيلٌ لكَ أنك ستجنّ جنوناً لن تميّز به رأسكَ من قدميك .. ثمّ .. لماذا تريد أن تجنّ .. أخبرني ..

- لماذا أريد أن أجنّ .. كلّ هذا و تسألني لماذا ..؟؟

- لم أفهم ..

- و لا أنا .. لم أفهم بعد كيف يسير هذا العالَم .. و كيف نستطيع أن نبقى محتفظين برؤوسنا و نحن نتعامل مع وجودنا بهذه القسوة و العدائية .. لا أستطيع أن أفهم لماذا نحن هنا .. و ماذا نفعل .. و كيف نستيقظ من هذا الدوار الذي يجتاحنا جميعاً كإعصار لا يتبدّد .. لا أستطيع أن أفهم طقوس الموت العبثي الذي يميتنا كلّ يومٍ آلاف الميتات .. لا أستطيع أن أفهم هذا الكمّ الهائل من الكراهية و الحذر و الترقّب الذي نحسبه ضرورة من ضرورات حياتنا التي أصبحت حرباً مستعرة لا تهمد نيرانها قط ..

كلّ هذا و تسألني لماذا ..؟؟؟ الشمس التي تشرق كلّ يومٍ غير مباليةٍ بمن يريد أن يتلكّأ قليلاً في غفوته مستمتعاً بحلمٍ دافئ .. النجوم التي ما زالت في أماكنها تبرق رغم ملايين العيون التي تأمّلَتها أضحت فيما بعد جماجمَ فارغة .. الزمن الذي يسطو على أجسادنا فتنحني له ظهورنا الموجوعة .. اسم الله الكريم الذي نحلف به كاذبين و ننقشه على أبوابنا التي نرتكب وراءها الخطيئة الحادية عشر ..

صدّقني .. أنا لا أفهم شيئاً .. لم أستطع أن أتفاهم مع هذه الدنيا التي وجدتُ نفسي فيها .. و لم يعرض عليّ أحد اتّفاقية هدنة مع هذا العالَم المتجهّم المعادي .. لذلك قرّرتُ أن أجنّ .. أن أخترع عالمي الشخصيّ جداً بنكهتي الخاصّة جداً .. و أقنع نفسي أنه العالَم الوحيد في هذا الكون و أني المخلوق الوحيد الذي يشعر فيه بالسلام و الأمن ..

لماذا لا يكون الجنون هو الحالة الطبيعية للعقل في هكذا عالَم ..؟؟ ربمّا نحن جميعاً على الإطلاق مجانين حقيقيين يحسبون أنّهم عقلاء و أن العقلاء الوحيدين على الأرض هم أولئك الذين نحتجزهم مقيّدين في زنزانات الموت البطيء..!!!

نظر إليّ نظرةً ساهمة .. ثم أطرق مفكّراً يتأمّل زجاجة الخمر التي كانت بين يديه .. و همس بصوتٍ هادئ ممازحاً :
- لن أستطيع أن أسكر بعد اليوم .. حسبي الله و نعم الوكيل .. منّك لله يا بعيد ..

لكن أتدري .. اذهب إليهم هناك .. في غرفهم القذرة و أسرّتهم الخشبيّة القاسية .. عِش معهم .. وسط الصراخ المحموم و الهذيان المرتجف رعباً و غرابة .. اذهب إليهم هناك .. في عوالمهم المدهشة و خدرهم الصامت و أشباح لياليهم العابثة .. ربّما .. ربّما تتعلّم منهم فنّ الجنون ..

نهض واقفاً فجأة .. و أكمل :
- من يدري .. ربّما ألحقك يوماً ما ..

راقبته و هو يبتعد مترنّحاً .. رمى زجاجة الخمر على الأرض بعنف .. و بعد أن ابتلعته الظلمة تماماً ..
أتاني خافتاً صوتُ نشيجٍ ليليّ حزين ..


إليهم .. هناك ..


يتبع ..












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 05:40 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

يبدو أنّه من غير المحبّذ هذه الأيام أن تكون مجنوناً فلم يكن دخولي في تلك المصحّة العقليّة أمراً سهلاً كما كنتُ أخال .. لكن بعد الأخذ و الردّ , و المجيء و الرواح , و التوصيات و التعهّدات .. و التقارير التي تفيد أنني أصبحت أشكّل تهديداً للبيئة .. و مساعي المعارف و الأقارب الذين بذلوا جهداً حثيثاً في سبيل الخلاص منّي و من مشاكلي التي جلبت لهم الحرج و سوء السمعة .. استقررتُ مبتسماً محفوفاً بالسلامة في غرفةٍ صغيرة أتشاركها مع بعض الزملاء المجانين القدامى في قسم المرضى العقليين الميؤوس من شفائهم و الحمد لله ..

و مهما أسهبتُ في وصف تلك الغرفة و ما تحفل به من مظاهر القذارة و الشقاء فإنّها – و الحقّ يقال – أفضل ألف مرّة من ذلك المقعد الخشبي الذي تكسّرت منه عظامي و تقلقلت له أضلاعي بعد طول تشرّد و ( تعتير ) , بالإضافة إلى الصحبة التي مهما قيل عنها فهي على الأقل تضمّني مع كائناتٍ لها ملامح بشريّة بعد أن يئستُ تماماً من تعليم العجماوات من قطط متشرّدة و كلاب ضالّة فنّ الكلام أو القدرة على التفاهم ..

و ككلّ مبتدئ يجد نفسه فجأة في مكانٍ غريب بدأت أستطلع المكان و أتأمّل الوجوه عساني أجد وجهاً أليفاً يخفّف عنّي وحدتي و أبدأ معه الاعتياد على كلّ تلك الأشياء الطارئة المختلفة .. و بحذر أخذتُ أتمعّن في الوجوه من حولي حتى وقعت عيناي عليه ..


اقترب منّي مبتسماً .. و بكل تهذيب حيّاني :
- مساء الخير أستاذ ..

- مساء الخير سيّدي ..

مدّ يداً مرتجّة إليّ و صافحني بحميميّةِ صديقين التقيا بعد فراق .. و قال بلغةٍ راقية :
- أرجو أن تكون بصحّة جيّدة .. أنا أخوك ( محمود ) .. زميلك في الغرفة و جارك هنا ..
و أشار إلى فراش رثٍ يجاور فراشي الجديد الممهّد ..

- تشرّفنا يا أخي .. أنا يزيد .. نزيل جديد هنا ..

ثقبت عيناه عظام رأسي و هو ينظر في عينيّ مباشرة .. و دون أي مقدّمات و بشكلٍ مباشرٍ جداً .. قال مستفزّاً :
- و لماذا لا تضحك يا يزيد ..؟؟؟

- ماذا ..؟؟ ماذا تقصد ..؟؟

- لماذا لا تضحك ..؟؟ سؤالي واضح جداً ..

- لماذا أضحك .. عدم المؤاخذة ..؟؟؟

- ألم تأتِ من الخارج لتوّك ..؟؟ يجب أن تضحك .. جميعنا ضحكنا جداً عندما أتينا لأوّل مرّة ..

تحيّرتُ بمَ أجيب .. أطرقتُ قليلاً .. ثم رفعت وجهي باستحياء و أجبت :
- ربّما لأني لستُ في مقامكم سيّدي .. لم أعتد أن أضحَك دون أن أجد ما يضحِك ..

- كلّ ذلك و لم تجد ما يضحِك .. غريبٌ أنت .. كل ذلك الجنون في الخارج و لم تقع من طولك و أنتَ تقهقه .. الحظّ الذي ابتسم لكَ و انتشلكَ من لوثتك الحمقاء و أدخلك هنا لم تكافئه برقصة فرحٍ واحدة ..!!!

- في الحقيقة أني .......


قاطعني بصوتٍ عالٍ صائحاً :
- ارقصوا يا ناس .. هيّا .. إلى الرقص أيّها المحظوظون ..


أمسك بيدي بقوّة .. و بدا يرقص بحركاتٍ ارتجاجيّة عنيفة و يعلو و يهبط و يخبط الأرض كأنّه يريد أن يكسرها .. ثمّ التفّ بشكل مفاجئ حتى أصبحت عيناه في عينيّ تماماً و صرخ بي – و كانت يده ما تزال ممسكة ذراعي :
- افهم يا ولد .. افهم أيها التعيس .. لن تستطيع أن ترى شيئاً و أنت فاتحاً عينيك .. افهم .. إن لم تستطع أن تضحك الآن .. فاخرج منها .. اخرج إلى حيث لا تستطيعون أن تضحكوا إلا حينما تكونوا أطفالاً .. اخرج إلى حيث تقيم للموتِ الأسود ألف مأتمٍ و مأتم و لا تقيم لضحكتك الصغيرة حفلةً واحدة .. اخرج أيها المجنون .. إلى حيث تبتسمون بشفاهكم المدمّاة و تضحكون بصدوركم المسودّة و ترقصون بأقدامكم المتعفّنة على إيقاعٍ غبيّ صامت , و تخافون أن يلمحكم أحدُ متلبّسين بجرم الابتسامة الصادقة و الضحك الحقيقيّ كي لا ينكشف ما تخفونه دواخلكم من ضعف و سذاجة و طفوليّة .


و بشكلٍ مدهش .. انقلبت شحنته المكفهرة الغاضبة إلى وجهٍ لطيف متسامح خلال لحظةٍ واحدة , ارتخت قبضته القويّة على ذراعي .. و بكل لطف قال :
- ألا نضحك الآن معاً .. رجاءاً ..

خلال ثوانٍ قليلة استعرضت حياتي ( في الخارج ) كشريط سينمائيّ يمرّ أمامي بسرعة الضوء .. اكتشفتُ أنّه محقّ تماماً و أني كنتُ في منتهى الجنون حين لم أترك في ملامح وجهي ملمحاً واحداً عن ذكرياتِ ضحكةٍ حقيقيّة عابرة .. و أني منذ أن وعتني الذاكرة لم أحظَ من زمني كلّه بلحظةٍ واحدة أتخلّص فيها من حذري و همّي و حسي اللعين بالكآبة و الانكسار و الهزيمة ..

لم أدرِ ما حدث بالضبط .. لكنّي فوجئتُ بنفسي فجأة أنفجر ضاحكاً و أنا أتطلّع إليه بفرح .. و فيما كنّا نقهقه سوياً كأطفالٍ يضحكون لنكتةٍ سماجةٍ لا تضحك أحداً تعانقنا بإلفةٍ غريبة .. وبعد أن انفصلنا نمسح عن وجنتينا دموع الضحك .. قال لي مبتسماً :
- أرأيت .. هكذا يتعارف العقلاء .. أهلاً بكَ بيننا ..
تعال معي الآن ... أقدّمك للمكان هنا .. انسَ كلّ ما تعلّمتَه قبلاً .. أغمض عينيك تماماً ..
و تفرّج ..



يتبع ..












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 10:13 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
وهل كل فاطمة فاطمة فديتها
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Women~ّ~From~TheSun

البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 68552
المشاركات: 2,847 [+]
بمعدل : 0.79 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 22
 

الإتصالات
الحالة:
Women~ّ~From~TheSun غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

لماذا نحن ملتصقين لهذه الدرجة بذاكرتنا و قواعد عقولنا الرصينة و عاداتنا الرتيبة في التفكير و الفعل و التفاعل مع هذا العالَم الصاخب من حولِنا ., لماذا نبقى هادئين جداً و كل أشياء وجودنا و مفرداته تصرخ و تشاغب و تتلاعب بحرية و طلاقة ..؟؟؟












عرض البوم صور Women~ّ~From~TheSun   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 03:36 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه
Icon777 (16)

women
**************
لا أدري يا أختي ..
تأتي عليّ أوقات أعترف فيها أنّي لا أستطيع أن أتعامل مع هذا العالَم بعقلي ... فأتركه في البيت و أخرج إلى الشارع فارغ الرأس ..
الموضوع ليس سهلاً .. أعترف ..
ليس من السهل على الإطلاق أن نمشي في الشوارع فارغي الرؤوس ..
لكن .. ربّما هي أمتع طريقةٍ للحياة ..
لنجرّب .. لن نخسر شيئاً بعدّ كلّ الذي خسرناه
كوني هنا دوماً ...












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 03:40 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

اقتادني صديقي الجديد العم ( مـحمود ) من يدي بهدوء يعرّفني على الزملاء الذين سأقاسمهم الغرفة التي تقع في آخر الرواق و المخصّصةِ للمجانين غير الخطرين .. أوقفني أمام فراشٍ متّسخٍ ممزّق يجلس عليه رجلٌ ما أن وقعت عينايَ عليه حتّى بدأت أرتعد رهبة ..
كان الرجل عملاقاً حقيقياً مع ملامح غليظة و جبهةٍ عريضة متجعّدة و حاجبين كأنّهما شاربين كثّين تاها على صفحة هذا الوجه الهائل فجلسا فوق عينين حادّتين برّاقتين تأسركَ بأشعّتها الناريّة و تخلق حولها نوعاً من المساحة المحظورة ما أن تتجاوزها حتّى تفرض عليكَ وصايتها فتجعلك فوراً طائعاً تأمرك فتجلس و تنهِضكَ فتنتفض واقفاً و تطردك فتطلق ساقيك للريح لا تلوي على شيء ..
وقف ( محمود ) أمامه بكلّ تأدّب ..تناول يده و قبّلها خاشعاً .. و همس له :
- مولانا .. هذا يزيد .. نزيل جديد هنا ..
حوّل عينيه القاسيتين إليّ .. أخذ يتأمّلني بصمت و يستطلع ملامحي و تضاريس جسدي كأنه يريد أن يكتشف ما وراء لحمي و عظامي و أعصابي من أسرارٍ مجهولة .. ثمّ .. بصوتٍ عميق خرج من بئر سحيقة .. سألني :
- قل .. أنتَ مِن هؤلاء .. أم مِن هؤلاء ..؟؟
فغرت فمي دهشة .. لم أفهم شيئاً .. أطرقتُ حائراً فيمن يكون ( هؤلاء ) أو ( هؤلاء ) .. استبطأ إجابتي .. فصرخ بصوتٍ هادر :
- قل يا هذا .. مِن هؤلاء .. أم مِن هؤلاء ..؟؟
و بما أنه كان لا بدّ لي من أن أجيب .. و بما أن خيارات الإجابة كانت محدودةً جداً .. و بما أني لا أعرف من هم هؤلاء و لا هؤلاء .. فقد أجبت بصوتٍ مرتعد :
- من هؤلاء يا مولانا .. أنا من هؤلاء ..
أجابَ راضياً :
- أحسنتَ .. لا مكان لـ ( هؤلاء ) بيننا ..
حمدتُ الله في سرّي أني انتقيتُ الإجابة الصحيحة .. و أن هؤلاء ( الذين أنا من هم ) هم أصدقاء مولانا , بعكس هؤلاء ( الذين لستُ منهم ) و الذين يكرههم مولانا بشدّة لأسبابٍ لم أعرفها بعد ..
قاطع الصمت بيننا .. و سألني :
- كيف هم في الخارج ..؟؟؟
لا حول و لا قوّة إلا بالله .. ماذا يريد هذا الـ ( مولانا ) أن يعرف من وراء هذا الحديث السريالي .. تمتمتُ بصوتٍ خفيض مستعجلاً إنهاء الحوار :
- بخير .. هم بخير يا مولانا و الحمد لله ..
- بخير ..؟؟ البلهاء يحسبون أنّهم بخير .. أما زالوا يركعون و يسجدون و يمتنعون عن الطعام و الشراب ..؟؟؟
- نعم .. صحيح .. هم يصلّون و يصومون يا مولانا ..
اختلجت ملامحه بغضب .. ضاقت عيناه الحادّتين كنسرٍ عجوز .. و صرخ :
- لا .. قليلٌ منهم من يصلّي و يصوم يا أبله .. قليلون هم و الله ..
لُذتُ بالصمت متحسّباً من ردٍّ قد يُغضبُ مولانا عصبيّ المزاج .. أما هو فأكمل :
- أما زالت الشياطين تتجوّل في الشوارع و تنام في البيوت على الأسرّة الطريّة ..؟؟ أما زالت تتسوّقُ مع الناس و تهدي لهم وروداً حمراء في أعيادهم السعيدة ..؟؟ كنتُ أراها بعينيّ .. أطردها كلّما شاهدّتها تقف على أبواب المساجد و ألعنها كلّما صادفتُها ترتدي وجه مضيفةٍ حسناء و أرجمها كلّما وجدتُها تصادق الأطفال و تنتظرهم ريثما يكبرون قليلاً ..
أجبتُ متردّداً :
- و الله أنا لا أعلم شيئاً عن الشياطين .. لكنّي أرى الناس يصومون و يصلّون بحمد الله .. هذا مبلغ علمي يا مولانا ..
نهض كالملسوع فجأة و وقف أمامي بقوامه العملاق , نظر إليّ بتحدٍّ و كلّ عضلةٍ في وجهه المتجعّد تختلج غضباً و غيظاً .. و استمر يصرخ بي :
- أيّها الجاهل .. لمن يصلّي هؤلاء ..؟؟ لله .. أم لأصنام شهواتهم التي تتّسع ألف مجرّة ..؟؟ للّه .. أم في معابد جهلهم و غرورهم و كراهيتهم التي تلوّث جوّ هذه الأرض الكئيبة ..؟؟ للّه .. أم بين أيدي نفاقهم و لؤمهم الذي صنعوا له أيقوناتٍ فهم عليها عاكفون ..؟؟؟
أيّها الجاهل .. كيف يسجد لله من لم يبكِ مرّةً أمام الله ..؟؟ كيف يركع من لم يستحضِره في وجدانه محبّة و خشوعاً و بسمةً راضية ..؟؟ كيف يصوم لربّ الناس من لم يعرف محبّة الناس في قلبه ..؟؟
أيّها الجاهل .. لم يعرف السجود من سجدت جبهته على المرمر البارد و لم تتعفّر بتراب الحبّ و غبار الصفا .. لن يعبد الله إلاّ من يعرف الله , و لن يعرف الله إلاّ من يحبّ خلق الله ..
أيّها الجاهل .. افهم .. من لم يبكِ على الناس كما يشهق خوفاً على نفسِه فهو لا يبكي إلاّ بعينيه .. و من لم يقبّل جراحاتِ الناس بشفتيه فهو لا يدعو الله إلاّ بشفتيه ..
أيّها الجاهل .. تأمّل .. من لم تعرج روحه في برزخ الحبّ و يكتوي قلبه بماء الوجد و ترمد عيونه بدموع الشوق فصلاتُه صلاة الجوارح و صيامه صيام الجسد ..
أيّها الجاهل .. أنظر .. ألف فراشة تحوم حول النار تريد أن تستبين منبع النور لكن فراشة واحدةٌ فقط توقن معناه .. حين تحترق ..
أيها الجاهل .. اسمع .. لا يعرف من يظنّ أنّه يعرف .. و لا يوقن الحقائق إلاّ الصامتون ..
أيّها الجاهل .. من أحياها كأنّما أحيا الناس جميعاً .. فكيف يملؤون الأرض دماءاً و موتاً و غضباً و كراهيةً سوداء ..؟؟
أيّها الجاهل .. إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم .. فكيف يملؤون قلوبهم حقداً و حسداً و غروراً و أفاعٍ تفحّ بسمومها الصفراء ..؟؟
أيّها.............
صمت فجأةً و هو يحملق بي .. ثم بدأ يدندن بصوتٍ خفيض :
مولاي .. إني ببابكَ قد بسطتُ يدي ..
من لي ألوذ به إلاّك يا سندي ..
مهما لقيت من الدنيا و عارضها ..
فأنتَ لي شغلٌ عمّا يرى جسدي ..
مولااااااااااااي .......
أقفل عينيه عن أهدابٍ مبتلّة .. أمسك بيدي المستسلمة تماماً .. هزّني و هو يقول :
- قل معي .. قل يا بنيّ .. قلها حتّى القيامة ..
لا إله إلاّ الله .. لا إله إلاّ الله .. لا إله إلاّ الله ..
دون أن أشعر بنفسي وجدتني أردّدها معه بإيقاعٍ رتيبٍ خاشع .. و شيئاً فشيئاً بدأنا نتمايل سويّاً على وقع هذه الكلمات الحبيبة .. أغمضتُ عيناي فانكشفت أمامي خيالات من نور هائم تتمايل بعذوبة و رقّة و أطيافٍ ملوّنة تنداح حولنا راقصةً تنشد معنا هذا النشيد الخالد ..
لا أدري كم بكيت معه .. لكني اكتشفت في هذه اللحظة أن الخطوة الأولى نحو الله هي حين نتقن فنّ البكاء , و أن العيون الدامعة هي وحدها التي تستطيع أن ترى الحقائق و تكشف الأسرار و تبصر المعاني ..
عندما فتحتُ عينيّ وجدت نفسي على سريري القاسي و عم محمود يمسح وجنتيّ المبلّلتين و هو يهمس بحنوّ :
- الحمد لله .. مرّت زيارة مولانا على خير .. غيرك كان راح فيها .. هيّا .. نم قليلاً و أرِح بدنك .. و سأعرّفك لاحقاً على الأستاذ عزّوز .. حبيب الجميع هنا ..
تصبـح بألف خير ..
يتبع ..












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 03:49 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فعال
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محتًآجَگْ خٌ ـفًوقٌيٍے

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72571
المشاركات: 423 [+]
بمعدل : 0.13 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 25
 

الإتصالات
الحالة:
محتًآجَگْ خٌ ـفًوقٌيٍے غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

تسلمين ابوي على هالموضوع

يعطيك الف عافيه

ثـ ـ ـآآآنـ ـ ـكـ ـ ـس

موضوع مميز

اقدر كل شكري واحترامي

عساك على القوه يريت تتميز في التنسيق

وتقليل الفكر لكي تصل الفكره كامله غير مشوشه












توقيع : محتًآجَگْ خٌ ـفًوقٌيٍے

عرض البوم صور محتًآجَگْ خٌ ـفًوقٌيٍے   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 06:03 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
ربيـُع ..
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية يزيد المطيري

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 72793
المشاركات: 62 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14
 

الإتصالات
الحالة:
يزيد المطيري غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محتًآجَگْ خٌ ـفًوقٌيٍے مشاهدة المشاركة
تسلمين ابوي على هالموضوع
يعطيك الف عافيه
ثـ ـ ـآآآنـ ـ ـكـ ـ ـس
موضوع مميز
اقدر كل شكري واحترامي
عساك على القوه يريت تتميز في التنسيق
وتقليل الفكر لكي تصل الفكره كامله غير مشوشه
انا رجل ياخي الكريم ، لقد خدشت رجولتي في كلامك الجاْرح ..

حسنن ً سيدي ، سوفا ً اقلل من الفكر كي تصل الفكره كامله ..

ولكن أعتقد ان الفكره واضحه تماما .. ياجميل :

دمت سالماً

انت وخفوقك : الذي تحتاْجه

كون دوماً هنا ياسيدي ..












عرض البوم صور يزيد المطيري   رد مع اقتباس
قديم 05-21-2010, 09:32 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
إمرأة من زمن النقاء
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Demon of Dark

البيانات
التسجيل: Dec 2007
العضوية: 59352
المشاركات: 30,522 [+]
بمعدل : 7.19 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 46
 

الإتصالات
الحالة:
Demon of Dark غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : يزيد المطيري المنتدى : منتدى عام - مواضيع عامه


السلام عليكم
اخي الكريم
هنياً لك هذا الفكر الرائع
فرائع ماقراته بين سطورك
وجميلة هي كلماتك
لا تبخل علينا بحروفك
..
لك مني الاحترام
دمت مع من تحب ويحبونك
...












توقيع : Demon of Dark

عندما تحين لحظة الفراق
تضيع منا الحروف
يصبح الصمت رائعاً
هنا أتوقف
لا أعلم لماذا ..؟؟

عرض البوم صور Demon of Dark   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
محترفا, مجنوناً, لصبية, بقلمي, يوم

جديد منتدى منتدى عام - مواضيع عامه


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


ترتيب الموقع عالميا
     

Site_Map


الساعة الآن 12:16 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1

 

Free counter and stats for your website on www.motigo.com